Sunday, April 14, 2024

ذكرى (طباق) الثالث والتاسع يوم 5.3.24 وكلمة سهيل مخول







طباق الثالث والتاسع للمرحومة آمال يوم الثلاثاء 5 آذار 2024
"أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا" انجيل يوحنا
نجتمع اليوم هنا لنصلي ونذكر ونتذكر مسيرة حياة مشتركة اعتمدت على المحبة ، الإخلاص، المسامحة وعلى حبها للناس .
كانت مؤمنة من أعماق قلبها وفكرها وعملت كما جاء في الإنجيل المقدس، شكرت الرب على كل شيء طوال حياتها.
نقول في الصلاة الربانية:
"أَبَانَا ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَوَاتِ ..... وَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَخَطَايَانَا،
كَمَا نَحْنُ نَغْفِرُ أَيْضًا لَمَنْ أَخْطَأَ وَأَسَاءَ إِلَيْنَا"
كتب الأديب نجيب محفوظ ما يلي:
"الدنيا ثلاثة أيام: الأمس؛ عشناه، ولن يعود، واليوم؛ نعيشه، ولن يدوم، والغد؛ لا ندري أين سنكون! فصافح، وسامح، ودع الخلق للخالق، فأنا، وأنت، وهم، ونحن راحلون، فمن أعماق قلبك سامح من أساء إليك"
نشكر كل المعزين
نطلب من الجميع العودة للحياه الاعتيادية وانهاء الحداد
المسيح قام حقاً قام






مرفق كلمة التي وصلتنا من السيد ياسر جبران

معلمتي أمال

في تلك السنه كنت لا أزال في الصف الاول، أخطو خطواتي الاولى في العالم المسمى "مدرسة", منتقلا من البيت الامن الدافئ الى مكان جديد، موحش، مليء بالوجوه الغريبه التي لم اكن قد اعتدت عليها بعد.
 كانت تمر علي الايام في تلك الفتره في المدرسه كانها حلم. حلم مزعج، أنتظر انتهاء كل يوم، أركض مسرعا نحو الحافلة، أركض مسرعا، نزولا منها، فباتجاه البيت، ألقي محفظتي أرضا عند الباب، ثم أتهاوى إلى حضن أمي وفقط عندها أبدأ بالتنفس مجددا، كأنني للتو عدت من الفضاء الخارجي.
 وما أن بدأت بالاعتياد ولو قليلا على وجه المعلمه ناديه، حتى علمت انها ستخرج في اذن ولادة، لولادة إبنتها.
 سريعا جدا بعد هذا الخبر "المؤسف جدا" ظهرت في حياتي وحياة أولاد صفي المعلمه "امال". كانت هي المعلمه التي تقوم بتدريسنا في فترة غياب المعلمه ناديه.
 دقائق قليله مرت منذ ان ظهرت في صفنا للمره الاولى حتى بدات اشعر بشعور غريب بالود تجاه هذه المعلمه. اللطافه التي ميزت شخصيتها والهدوء المميز، الابتسامه الدائمة، (أو صفات اخرى لست ادري بالضبط ما هي)، جعلتني اشعر بامان يشبه امان البيت, بدفئ وحنان يشبها دفء وحنان امي.
 كانت المعلمه امال تستطيع رؤيه الجميع في الصف، وبالاخص اولئك الذين شعروا بالوحشه او عانوا صعوبات اجتماعيه او صعوبات في الدراسه. وعلى ما يبدو كان لديها في ذلك الوقت (على الأقل هكذا كنت اعتقد) سمع حاد ودقيق لدرجه انها كانت تسمع دقات قلوب جميع الطلاب في ان واحد وتميز من بينها تلك الدقات السريعه او غير المنتظمه، فتقوم بفعل ما يجب فعله حتى تشعر كل طالب بانه في مكان امن.
 اليوم وبمرور ما يقارب الأربعين عاما من لقائي الاول مع المعلمه امال لازلت اذكر تلك الفتره واتخيل صورتها وهي مبتسمه. ربما كانت قد محت تلك الابتسامه عن وجهها في اوقات معينة، أثناء تواجدها في صفنا، لكن صورة كهذه ليست محفوظه في ذاكرتي.
 على الرغم من كوننا جيرانا فانني لم ار المعلمه امال كثيرا في السنوات الاخيره. وبالاخص قل ظهورها في القرية بعد إصابتها بمرض عضال، توفيت اثره في نهايه المطاف.
 اليوم قمت بتقديم واجب العزاء لذوي معلمتي امال. جلست في الصف الاخير في قاعه كنيسه الكاثوليك بعيدا عن الهيكل، وخلال الصلاه سرحت بفكري بعيدا وفي امور شتى ولفت انتباهي كم التغييرات الهائل الذي مر على جغرافيا المكان الذي نسكنه، على معالم البيوت والشوارع، على الارض الخاليه فيما مضى والتي خصصت اليوم لبناء قاعه وكنيسه لطائفه الروم الكاثوليك. تلفتت حولي ورايت كيف صار ابناء جيلي اباء وامهات، تذكرت كيف تغيرت انا ايضا، كيف كبرت وكبر الجميع، كيف تغير كل شيء... بلحظه ما شعرت فعلا ببعض من الحزن والوحشه، لا علاقة لهما بالحدث الذي اشارك فيه.
 حمل ثلاثه اشخاص طاولة وضعت امام الجمع وعلى الطاوله وضع غطاء وعلى الغطاء، وضع قداس، أوقد شمع، وضع صليب وفي مركز الطاولة ثبتت صورة لمعلمتي امال. تمعنت بالصوره عن بعد، لم استطع الرؤية جيدا من تلك المسافة ولكنني كنت متأكدا أن المعلمة امال لا زالت تبتسم أيضا في هذه الصورة. على كل حال ليس مهما فعلا ان كانت المعلمه امال تبتسم في هذه الصوره ام لا لانها كانت قد اهتمت ان تطبع منذ عشرات السنين صورة لابتسامتها الدافئة تلك في قلبي. تبسمت ابتسامة خفيفة، ليست ملائمة لأجواء الحدث، وسريعا مسحتها، ثم اغرورقت عيناي بالدمع للحظة فمسحته لأنه ليس ملائما لأجواء الرجولة. لم أعد أشعر بالوحشة ولا بالحزن، لأنني في تلك اللحظة بالذات، فهمت أنه وسط التقلبات والتغيرات اللا نهائية التي نعيشها في هذا العالم، هناك أشياء كإبتسامة المعلمة آمال، لا تتغير، بل تبقى ما بقينا.

 












 

No comments: