Sunday, April 14, 2024

كلمة رثاء كتبها الأستاذ عاطف نعيم من ترشيحا وكلمة رثاء كتبها المحامي ياسر حنا جبران - البقيعة

 



بسم الله الرحمن الرحيم....

ورد في الانجيل المقدس : "عَزِيزٌ فِي عَيْنَي الرَّبِّ مَوْتُ قِدِّيسِيهِ".

من هذا الباب نبدأ كلامنا عن أمرأة مؤمنة لا بل أم رؤوم لا بل مربية فاضلة لا بل معلمة قديرة لا بل حاضنة رؤوف لا بل شخصية اجتماعية انسانية فذة ألا وهي الفقيدة المرحومة أم موسى أمال مخول.

عند حسن الخاتمة وعند فاجعة الموت يقاس الانسان بمسارات ثلاث. أولها المسار الديني الروحاني - وكما ورد في انجيل متى:" فَأَجَابَهُ يَسُوعُ: «اتْبَعْنِي الآنَ، وَدَعِ الْمَوْتَى يَدْفِنُونَ مَوْتَاهُمْ!». 

فالمرحومة أم موسى سارت في مسار حياتها على نهج الرب واتبعت تعاليم سيدنا المسيح عليه السلام وسعت لخلاص نفسها وعتق روحها في دار الفناء (الدنيا) وفي دار البقاء (الاخرة) كما قيل في انجيل متى: "فَأَيُّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ، يَخْسَرُهَا؛ وَلكِنَّ مَنْ يَخْسَرُ نَفْسَهُ لأَجْلِي، فَإِنَّهُ يَجِدُهَا" ومن هنا نستدل على ايمان فقيدتنا العزيزة ومدى النور في قلبها وعقلها ودرجة تقواها خوفا من الله تعالى النابع من محبة الرب والانبياء. فسارت على الهدى والنقى مدفوعة بعقيدة الدين والتوحيد السماوي والنور الشعشاني والقلب الروحاني.

وثانيها المسار الأسري -  فكانت الابنة الطيبة من المنبع الطيب. والتي تربت بأسرة كريمة ونبتت على خصال حميدة وخلال قيمة فريدة. وكانت الزوجة المخلصة الوفية العفيفة الطاهرة الشريفة الخاضعة عن مبدأ المحبة الدينية الالهية والأسرية والاجتماعية كما ذكر في رسالة بولس الرسول: "أَيُّهَا النِّسَاءُ اخْضَعْنَ لِرِجَالِكُنَّ كَمَا لِلرَّبِّ، لأَنَّ الرَّجُلَ هُوَ رَأْسُ الْمَرْأَةِ كَمَا أَنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا رَأْسُ الْكَنِيسَةِ، وَهُوَ مُخَلِّصُ الْجَسَدِ.  وَلكِنْ كَمَا تَخْضَعُ الْكَنِيسَةُ لِلْمَسِيحِ، كَذلِكَ النِّسَاءُ لِرِجَالِهِنَّ فِي كُلِّ شَيْءٍ".

والمرحومة أم موسى أمال كانت الأم التي زرعت الأمل والسعادة في قلب زوجها وأولادها وطلابها فاتسمت بالأم الحاضنة الراعية الرحوم الرؤوم الرؤوف. وبذات الوقت الأم المرشدة الملهمة المربية للخير والهداية والعلم والنشأ السليم كما ورد في القران الكريم :"وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِين" صدق الله العظيم.

فبرزت بالأمومة الأصيلة المعطاءة الصبورة الحنون المساندة لزوجها واولادها وأحفادها في العسر واليسر والشدة والرخاء. وبهذا نجحت ان تكون وتنشئ أسرة يقتدى بها في التألف والوفق والحداثة والتطور المستندة الى الرزق الحلال والبيت المعمور الواسع وتحلت بالبشاشة ورحابة الصدر لتكريم ضيوفها.

وثالثها المسار الاجتماعي الانساني - وهذا ذخيرة الفرد في دنياه فيرفع شأنه وقدره هو وأقاربه ومن حوله بين البرية جمعاء فالاخت امال تحلت بصفات عدة وجمة جعلت المجتمع بأسره يحبها ويقدرها ويحترمها. فكانت الانسانة المتواضعة والساعية لزرع بذور المحبة والأخوة والانسانية بين الناس ودأبت للم الشمل وتقريب القلوب وتوليف الشعوب. مربية الأجيال مليحة الأقوال والأفعال. حسنة الشيم رفيعة القيم عالية الهمم. مشاركة للناس أفراحهم واتراحهم. دمثة الاخلاق ساعية لرأب الصدع وتكوين الاتفاق من فكر بهي واصغاء ذات اشراق

الفاضلة أمال الانسانة الكريمة السخية الندية المعطاءة وبرز ذلك جليا من خلال تبرعها وعملها الراقي مع المجموعات والجمعيات وعطاؤها اللا متناهي للبشرية جمعاء دون تفرقة او تمييز وهذا صادر عن مبدأ الفداء الذي أوصانا به سيدنا المسيح عليه السلام. ومن مبدأ الوفاء والاحسان والتقية الذي أوصانا به سيدنا شعيب عليه السلام. ومن مبدأ الزكاة والصدقة لعبدالله أيمانا بالله كما أوصانا نبينا محمدا عليه السلام.

وأنوه أخيرا أن فقيدتنا أم موسى مرضت بالفترة الأخيرة من حياتها بمرض عضال رغم ذلك كانت المؤمنة الصابرة الراضية المسلمة أمرها لباريها. فنسأل الله تعالى أن يشملها بواسع رحمته وأن يسكنها فسيح جناته وأن يلهم أسرتها وأهلها وذويها الصبر والسلوان وأن تكون خاتمة أحزانكم وأن لله وان اليه راجعون.

من الاستاذ عاطف نعيم وأسرته.

 

 

*****************

معلمتي أمال

في تلك السنه كنت لا أزال في الصف الاول، أخطو خطواتي الاولى في العالم المسمى "مدرسة", منتقلا من البيت الامن الدافئ الى مكان جديد، موحش، مليء بالوجوه الغريبه التي لم اكن قد اعتدت عليها بعد.
 كانت تمر علي الايام في تلك الفتره في المدرسه كانها حلم. حلم مزعج، أنتظر انتهاء كل يوم، أركض مسرعا نحو الحافلة، أركض مسرعا، نزولا منها، فباتجاه البيت، ألقي محفظتي أرضا عند الباب، ثم أتهاوى إلى حضن أمي وفقط عندها أبدأ بالتنفس مجددا، كأنني للتو عدت من الفضاء الخارجي.
 وما أن بدأت بالاعتياد ولو قليلا على وجه المعلمه ناديه، حتى علمت انها ستخرج في اذن ولادة، لولادة إبنتها.
 سريعا جدا بعد هذا الخبر "المؤسف جدا" ظهرت في حياتي وحياة أولاد صفي المعلمه "امال". كانت هي المعلمه التي تقوم بتدريسنا في فترة غياب المعلمه ناديه.
 دقائق قليله مرت منذ ان ظهرت في صفنا للمره الاولى حتى بدات اشعر بشعور غريب بالود تجاه هذه المعلمه. اللطافه التي ميزت شخصيتها والهدوء المميز، الابتسامه الدائمة، (أو صفات اخرى لست ادري بالضبط ما هي)، جعلتني اشعر بامان يشبه امان البيت, بدفئ وحنان يشبها دفء وحنان امي.
 كانت المعلمه امال تستطيع رؤيه الجميع في الصف، وبالاخص اولئك الذين شعروا بالوحشه او عانوا صعوبات اجتماعيه او صعوبات في الدراسه. وعلى ما يبدو كان لديها في ذلك الوقت (على الأقل هكذا كنت اعتقد) سمع حاد ودقيق لدرجه انها كانت تسمع دقات قلوب جميع الطلاب في ان واحد وتميز من بينها تلك الدقات السريعه او غير المنتظمه، فتقوم بفعل ما يجب فعله حتى تشعر كل طالب بانه في مكان امن.
 اليوم وبمرور ما يقارب الأربعين عاما من لقائي الاول مع المعلمه امال لازلت اذكر تلك الفتره واتخيل صورتها وهي مبتسمه. ربما كانت قد محت تلك الابتسامه عن وجهها في اوقات معينة، أثناء تواجدها في صفنا، لكن صورة كهذه ليست محفوظه في ذاكرتي.
 على الرغم من كوننا جيرانا فانني لم ار المعلمه امال كثيرا في السنوات الاخيره. وبالاخص قل ظهورها في القرية بعد إصابتها بمرض عضال، توفيت اثره في نهايه المطاف.
 اليوم قمت بتقديم واجب العزاء لذوي معلمتي امال. جلست في الصف الاخير في قاعه كنيسه الكاثوليك بعيدا عن الهيكل، وخلال الصلاه سرحت بفكري بعيدا وفي امور شتى ولفت انتباهي كم التغييرات الهائل الذي مر على جغرافيا المكان الذي نسكنه، على معالم البيوت والشوارع، على الارض الخاليه فيما مضى والتي خصصت اليوم لبناء قاعه وكنيسه لطائفه الروم الكاثوليك. تلفتت حولي ورايت كيف صار ابناء جيلي اباء وامهات، تذكرت كيف تغيرت انا ايضا، كيف كبرت وكبر الجميع، كيف تغير كل شيء... بلحظه ما شعرت فعلا ببعض من الحزن والوحشه، لا علاقة لهما بالحدث الذي اشارك فيه.
 حمل ثلاثه اشخاص طاولة وضعت امام الجمع وعلى الطاوله وضع غطاء وعلى الغطاء، وضع قداس، أوقد شمع، وضع صليب وفي مركز الطاولة ثبتت صورة لمعلمتي امال. تمعنت بالصوره عن بعد، لم استطع الرؤية جيدا من تلك المسافة ولكنني كنت متأكدا أن المعلمة امال لا زالت تبتسم أيضا في هذه الصورة. على كل حال ليس مهما فعلا ان كانت المعلمه امال تبتسم في هذه الصوره ام لا لانها كانت قد اهتمت ان تطبع منذ عشرات السنين صورة لابتسامتها الدافئة تلك في قلبي. تبسمت ابتسامة خفيفة، ليست ملائمة لأجواء الحدث، وسريعا مسحتها، ثم اغرورقت عيناي بالدمع للحظة فمسحته لأنه ليس ملائما لأجواء الرجولة. لم أعد أشعر بالوحشة ولا بالحزن، لأنني في تلك اللحظة بالذات، فهمت أنه وسط التقلبات والتغيرات اللا نهائية التي نعيشها في هذا العالم، هناك أشياء كإبتسامة المعلمة آمال، لا تتغير، بل تبقى ما بقينا.

 كلمةياسر جنا جبران - بمناسبة طباق الثالث والتاسع

 

No comments: